كدر الحياة “نظرة في سيكولوجية الشخص الحاسد”

هذا المقال لأصحاب القلوب القوية, ومن يحبون أن يعرفوا حقائق البشر والحياة, ولا يحبون الإختباء خلف المثاليات والايجابية الزائفة

 مما لا شك فيه أنه في هذه الحياة تمر بالجميع فترات عصيبة وظروف قاهرة, تُجبرنا على اختيار مالا نريده في كثير من الاحيان, وتجبرنا على التنازل أو التغاضي أو تقديم المصلحة على المبادئ في فترات أخرى, نسقط وننهض , نقع ونتعلم , نخطئ ونتوب, ثم نعاود الخطأ ونتوب أيضا, يقول صلى الله عليه وسلم : ” كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون” هذه الطبيعة البشرية وهذه هي الحياة.

ولكن البعض عندما يقع في مستنقع الحياة يختار البقاء على الخروج والانغماس على محاولة الصعود، حتى تظن أن هذه البيئة مناسبة له ولتكوينه النفسي ومشبعةٌ لحاجاته.

 إن هذه البيئة تصبغ نظرته لحياته بلون قاتم، لا يستطيع أن يرى الواقع الا من خلاله ولا يتعامل مع الآخرين الا وفقا لمتطلباته، ورغم أن هذا الشخص يخالطنا ويشاركنا تفاصيل الحياة, الا أنه يعيش في عالمه الخاص “المُظلم” وهو عالم مختلف عن عالمنا الذي نعيشه

إن الأذى الذي يحدثه الانزلاق في مثل هذه البيئة يتجاوز تأثيره هذا الشخص, الى الأشخاص القريبين منه بل وإلى كل من تجمعه بهم ظروف الحياة.

 هذا الشخص إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة, لن يقدم لك الخير,ولن تجد منه ما يسرك, لو تنازلت له, لو تغافلت عنه, لو تركته, لو قدمت له ما تملك وأغلى ما تملك لن يكفيه, إن دائه ومُظناه أن يراك سعيدا فرحا قويا مغتنيا متفوقا وصلبا,

كتب د. عائض القرني عنه قائلا “أنت الذي أسهره وأضناه ، أنت الذي جلب له همه ، وحزنه ، وتعبه ، ووصبه، وهو الظالم في صورة مظلوم” انتهى

إن فرحك حزن له وحزنك فرح له, ونجاحك فشل له وفشلك فرح له, وعلمك جهل له وجهلك فرح له, لا يكف عن المقارنة غير العقلانية فكل ما يؤذيك هو فرح له وليس بالضرورة أن يكون مستفيدا من سقوطك, بل إن سقوطك, هفوتك, غلطتك, خطأك, حماقتك وكل ما ترتكبه بحكم بشريّتك وانسانيتك هي الخشاش الذي يقتات عليه

إن الطبيعة البشرية تفرح بحصول الخير للغير, ولكنك تجده قد تميّز من الغيظ عند سماع ما يسر الناس, إن الخير منافٍ لطبيعته, وإن الفرح زائف بالنسبة له, والسعادة سراب مظنٍ لا يصل له.

 أزعم أن هذا الوصف كافٍ ومضر بالصحة أيضا, لمعرفة أو اكتشاف أن هذا الشخص موجود في حياتنا. وأن هذا المستنقع هي البيئة التي صنعها لنفسه وهي كل أفعاله وأقواله التي ارتكبها في حق الآخرين من غيبة ونميمة وافتراء واحتقار وانتقاص وكذب وتدليس وسرقة وغيرها “عافانا الله وإياكم” فهو منغمس في التفكير بالآخر والتنكيل به دون أن يدرك أن الوقت يمضي والحسد يأكله شيئا فشيئا.

ما سبب عداء هذا الشخص “المسكين” لك ولي ولأمه وأبيه..!!

لو قدمت له حذاءه، وأحضرت له طعامه، وناولته شرابه، وألبسته ثوبه، وهيأت له وضوءه، وفرشت له بساطه، وكنست له بيته، فإنك لا تزال عدوه أبداً، لأن سبب العداوة لا زال فيك، وهو فضلك أو علمك أو أدبك أو مالك أو منصبك، فكيف تطلب الصلح معه وأنت لم تتب من مواهبك ؟!- د.عائض القرني

كيف تعرف هذا الشخص بسرعة..!!

أولا:

لا تسمعه يبارك على أمر ما أو يذكر الله عليه, بل يُظهر على الفور انتقاصه وانتقاده وأن هذا الأمر غير مهم, اذا شككت في شخص أنه من هذا الصنف حاول أن تتذكر متى آخر مرة سمعته يقول “ماشاء الله ولا حول ولا قوة الا بالله”

ثانيا:

الشخص الحاسد يكون شحيحا بخيلا في نفسه وماله, جاف وجامد في مشاعره, أناني جدا ويتّبع مقولة “أنا ومن بعدي الطوفان”

ثالثا:

الحسد يتوافق مع الخبث واللؤم فتجد هذا الشخص كثير التخطيط والتآمر لأذية الآخرين

رابعا:

الشخص الحاسد لا يتورع عن التسبب في قطع أرزاق الناس أو منع الخير من الوصول لهم

خامسا وأخيرا:

هذا الشخص يشعر بالنقص النفسي والاحتقار والكره الشديد تجاه ذاته, ويعلم في قرارة نفسه أن ما يقوم به هو أمر مُحرّم ومكروه, فتجده دائما ما يبرر تصرفاته ويوضح أسبابه كي يُقنع الآخرين أن ما يقوم به هو الأمر الصحيح وأنه انسان صالح.

كيف أحمي نفسي..!!!

من المؤسف قول إن هذا الشخص لا يستطيع الحياة وأنت بخير, سوف تجده يتصيد لك ويبحث عنك ويفكر فيك طالما أنت أمامه, إن البعد عنه والعزلة والاختفاء من حياته هو أسلم الأمور كي لا يجذبك الى مستنقعه وتصبح متأثرا به.

حاول قدر المستطاع ألا يعرف تفاصيل حياتك لأن هذه المعلومات تضرم النار في قلبه والعياذ بالله

ختاما, من المهم أن يعرف هذا الشخص أن من حوله يعرفون حقيقته, كي يكف عن التذاكي وادعاء المثاليات الزائفة, وأن سكوت الناس عن مواجهته لا يعني أنهم لا يعون ما هو واقع فيه, وأنهم عندما يتحدثون عنه تجدهم مشفقين عليه فيما يعيشه من غصص، وما يعايشه من آلام ، ومايكابده من أحزان ، ومايذوقه من ويلات.

لمشاهدة المقال على موقع الصحيفة تفضل اضغط هنا

موضوعات ذات صلة

  • هل أنا موجود أيها التائه أجبني

    هل أنا موجود أيها التائه .. أجبني أهديك كلماتي لعلّك تأتيني بقبسٍ أو أجد على النار هدى هل تزورك الحيرة!! ماذا عن التيه!! هل تختلط عليك المشاعر! انني لا أتحدث عن مشاعر عابرة تنتهي بزوال العارض انني أتحدث عن مشاعر زائرة لا تلبث أن تعود. انها مشاعر البحث عن الحقيقة وأية حقيقة!! عندما تجتاح قلبك…

  • آسف على الصراحة

    آسف على الصراحة… ان المقالات التي تنقد الذات أو المجتمع هي دعوة للوعي وليست حربا على أنفسنا، اللحاق بالحق أمر شاق يتجرد فيه الفرد من النزعات الشخصية ويتخلص من اتباع هواه، إن أغلب النقاشات تدور حول شرح فكرة، إبداء رأي، إيصال رسالة، فقط ويتم تجاهل ما هو أهم من ذلك وهو البحث عن الحق والحكمة،…

  • هل ننصت!!

    هل ننصت!! ما بال الرسائل التي تطرق نوافذنا المغلقة! هل ننصت!! في اوائل القرن العشرين، عندما كان التلغراف أسرع وسيلة اتصال، أعلن مكتب التلغراف في لندن، عن وظيفة خالية وحدد يوما للمقابلات الشخصية والاختبار. في اليوم المعين امتلأت صالة الاستقبال في المكتب بالمتقدمين لشغل الوظيفة، وبينما هم جالسون في توتر ينتظرون بدأوا في اختبار مهارات…

  • الغبي النافع

    الغبي النافع جريدة الرياض الجمعة 16 جمادى الأولى 1439هـ – 2 فبراير 2018م هل من الممكن أن تعرض وظيفة على شخص بهذا الوصف؟ أم هل تظن أنه يصعب أن تجد شخصاً هكذا فعلاً!! قد نجد الشخص النافع بالطبع لكن من الصعب أن تجتمع صفتان تنفي إحداهما الأخرى لهذه الدرجة وهذه هي المسألة. بدايةً إن هذه…

  • محور الكون

    محور الكون  لم أعتد كثيرا على استخدام المقدمات في حياتي الا من خلال كتابة المقالات، حيث أني مقتنع أن الخط المستقيم هو أقصر الطرق، لذا فإن هذا المقال يأتي بدون مقدمات أو تمهيد كي تكون هذه رسالة مباشرة وواضحة وتخص نوع محدد من الشخصيات يعيش في مجتمعاتنا البسيطة، ينتشر ويستشري كلما سنحت له الفرصة، وأعني…

  • العابرون

    شخص يظهر في حياتنا، لديه مهمة تجاهنا وشخصٍ يختفي، قد أنهى تلك المهمة! العابرون ليسوا بالضرورة أشخاصا نعرفهم من قبل، قد يكونون أشخاصا غرباء ظهروا في حياتنا فجأة ودون أدنى جهدٍ منا، لم نبحث عنهم، لم نتحرك باتجاههم. تأتي بهم ظروف الحياة الينا، لدرجة اننا نشك انها ليست مجرد صدفة! بالتأكيد انها ليست صدفة، إنهم…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *